الأحد، 1 ديسمبر، 2013


شعراء كتبوا بدم القلب


ثلاثة شباب أو قل ثلاثة شعراء إفتقدتهم الساحة الشعرية والأدبية بصفة عامة وهم في ريعان الشباب، قد علو في ثلاثينيات القرن الماضي كنجوم مضيئة ثم هووا كشهب محترقة ، إذا هم ثلاثة وضعوا بصماتهم في خارطة طريق الشعر هم أبو القاسم الشابي وفوزي المعلوف و وإبراهيم طوقان ..
من منا لا يعرف هاته الوجوه الشابة عندما كانت تغرد للحب وعن الألم ولوطن و للتفاؤل

صريع القوافي إبراهيم طوقان

من منا لا يعرف ولم يحفظ نشيد "موطني" 
الجمال والجلال والسناء والبهاء في رباك 
والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك

وهو يدور في كل الميادين شدوا ولحنا نعرف ان قائله صريع القوافي والغواني إبراهيم بن عبد الفتاح طواقان وميزة هذا الشاعر أنه لم يعرف اليأس في حياته المضطربة يوما ولا نزع إلى التشاؤم ولا إلى الإنهيار الوجداني برغم من دائه الجسدي المزمن وآلامه المبرحة ومرائر الخيبة التي لقيها في كفاحه الوطني الطويل و طموحه الغرامي المنتكس 
فقد ولد إبراهيم سنة 1905 في نابلس ونشأ بين عهدين مظلمين من تاريخ فلسطين، عهد الاستعمار التركي الفاسد بنهاية الإمبراطورية العثمانية وعهد الإنتداب البريطاني الذي حضن الهجرة اليهودية إلى فلسطين .
تأقلم إبراهيم بشعره مع أصوات الكفاح المسلح ومحاربة الصهيونية والهجرة اليهودية حتى بات يتمتع بشعبية واسعة في المؤسسات التعلمية والجامعات ولدى الأحزاب والهيئات وقد قل من أهل زمانه من لم يردد هذه الأبيات :

وطن يباع ويشترى /**/ وتصيح فليحيى الوطن 
لو كنت تبغي خيره /**/ لبذلت من دمك الثمن


ونماذج كثيرة من هاته الشاكلة في شعر طوقان الوطني، وهو بقدر ما ألهب الجماهير بقصائده الوطنية إستطاع أن يتصدر شعراء الغزل ومن أروع ما فاضت به قريحة إبراهيم وهو على فراش المرض حيث أنه لم يفارقه داؤه المستعصي فنظم قصيدة "ملائكة الرحمة" المتعلقة بالممرضات فيقول :
بيض الحمائم حسبهنة أني أردد سجعهنه
رمز السلامة و الوداعة منذ بدأ الخلق هنه 
المحسنات للمريض غدون أشباها لهنه
يشفي العليل عناؤهن وعطفهن ولطفهنه 
مر الدواء بفيك حلو من عذوبة نطقهنه
ولربما انقطع الحمائم في الدجى عن شدوهنه 
أما جميل المحسنات ففي النهار وفي الدجنه

ودائما مع الممرضات حين كان في مستشفى بنابلس كانت تعتني به ممرضة روسية حسناء فنظم فيها قصيدة "القيصرة"فقال :

قيصرة الحسن لا تشتكي /**/ إليك من جورك يا طاغية 
هل كان نسيانك لي هفوة /**/ أم خطة أشراكها خافية؟

ولعل أجمل القصائد في ديوان هاته المرحلة اليائسة الطافحة بقصائد الحب الخائب هي قصيدة "البلبل الصريع" التي استوحها طوقان من قصيدة الشاعر البريطاني أوسكار وايلد "البلبل والوردة"

صارت الوردة الخليعة للبلبل /**/ هما ومأربا يشقيه 
شفه السهد فاعتراه من /**/ الحب سقام مبرح يضنيه 
من رآها وقد تحامل يهفو /**/ نحوها كيف أعرضت تغريه 
من راى روحه تسيل نشيدا /**/ لاهبا لوعة الأسى تذكيه

وقد فارق طوقان الحياة في مارس 1941 ولم يكمل 36 سنة



أبو القاسم الشابي


نبدأ بالذي في حالة إنتشائه وتفاؤله القليل إلا انه أبدع في هذا التفاؤل فأنشد :
إذا الشعب يوما أراد الحيلة /**/ فلبد أن يستجيب القدر 
ولابد لليل أن يتجلي /**/ ولا بد للقيد أن ينكسر
إذا هو أبو القاسم الشابي نسبة "للشابية " وهي إحدى مناطق تونس وتقع بالضبط في مدينة "تورز" من أعمال منطقة "الجريد" في الجنوب التونسي ، كما تبعد على تونس العاصمة بمسافة تناهز 400 كلم ، كما تعرف "الشابية " بمناظرها الخلابة وجمالها الطبيعي التي حباها الله به لتكون الأرض الخصبة لولادة أحد شعارءنا الكبار التي ولد بها سنة 1909 فنشأ وترعرع في تلك الغياض العابقة بالعطر وسحر الطبيعة ، فكان رغم ضنك حياته ومرضه يحلم بالجمال ويتحصر على أيام الصبا فقال في قصيدة )الجنة الضائعة(
كم من عهود عذبة في عدوة الوادي النضر 
فضية الأسحار مذهبة الأصائل والبكر 
قضيتها ومعي الحبيبة لا رقيب ولا نذير
قد تأثر الشاعر إلى أبعد الحدود بوالده الشيخ محمد بن أبي القاسم الي كان يتميز بالعلم الوافر والخلق السوي، كما أن والده قد تولى القضاء في مدن تونسية عديدة وكان أبو القاسم ينتقل تحت عباءة والده من منطقة إلى أخرى في كل أرجاء تونس مستمتعا بجمال الطبيعة وإتمام دراسته.
وبعد وفاة والده وجد أبو القاسم نفسه وحيدا أعزل بين أم تغالب أحزانها وإخوة وأخوات فقدوا المعيل يضف إلى ذالك انه كان قد تزوج نزولا عند رغبة والده وقد رزق بولدين غير أن الله قد إبتلاه بمرض القلب أرغمه الأطباء بأن ينقص من ترحاله متجنبا كل الإرهاق فوجد نفسه بين أحضان الطبيعة والغابات والجبال بقية عمره 
فدب اليأس إلى أعماق نفسه المعذبة فأنشد يقول في قصيدة "النبي المجهول"
يا صميم الحياة كم انا في الدنيا /**/ غريب أشقى بغربة نفسي
فاحتضني وضمني لك بالماضي /**/ فهذا الوجود علة يأسي

و انتقل إلى الملأ الأعلى وهو في شرخ الشباب وأوج العطاء في التاسع من أكتوبر 1934 ولم يتجاوز السادسة والعشرين من العم، الذي قضاه بين سراب الأمل وحرب الألم .
وقد جمعة قصائد الشابي بعد وفاته في ديوان "أغاني الحياة" الذي طبع سنة 1955 إلا انه ظهر نقص في تاريخ القصائد وعددها فظلا عن الأخطاء المطبعية والعروضية التي نتجت عن إهمال الناشرين



فوزي عيسى المعلوف (شاعر الطيارة)
ولد فوزي في ماي سنة 1899 في مدينة زحلة اللبنانية، وقد نشا فوزي في بيت مولع بالأدب والشعر أنجب طبقة رفيعة من الشعراء فأبوه مؤرخ وعلامة وجده لأمه باشا أنجب خمسة شعراء من أخوال فوزي بعضهم حظي بالشهرة العظيمة، وكان لفوزي شقيقان شاعران هما شفيق الذي يحتل منزلة عالية بين شعراء العرب ورياض الذي تميز إنتاجه بالأوصاف الرومنطقية والعاطفة الجياشة، فكان من المنطقي أن يتأثر فوزي بالأجواء الشعرية التي أحاطت به منذ نعومة أظافره فنظم الشعر وهو في 13 من عمره لكن قصائده انطبعت منذ أيام الدراسة بفكرة الموت

ألم كلها الحياة فلا تُضحك /**/ ثغرا إلا لتبكي عيونا

ويبلغ التشاؤم اوجه في قصيدة "على بساط الريح" أو قصيدة "شاعر في الطيارة" وقد هجر إلى البرازيل التي إتخذها الكثيرون من أهله وطنا لهم.
ومما قاله فوزي والباخرة تقلع به من بيروت سنة 1921 وهو يرمق بحزن جبال لبنان من على صفحة اليم :

لهفي للربوع تضحي وتمسي /**/ وهي خلو إلا من التنكيد 
ينزح السكون عنها، ووجه الأرض /**/ رحب، إلى المزار البعيد
ولو أن الأصم يسمع صوتا /**/ صرخوا البواخر الصم : عودي

كما لا تزال إحدى قصائده التي رثا بها "سقوط غرناطة" محفورة على عمود رخامي في قصر الحمراء بغرناطة لما ترجمة إلى الإسبانية التي يقول مطلعها :

غرناطة، أواه غرناطة /**/ لم يبقى شيئ لك من صولتك 
ما نهرك الجاري سوى مدامع /**/ يبكي على ما دال من دولتك

وقد أطلق عليه لقب شاعر الطيارة لأنه ركب إحدى الطائرات السياحية الصغيرة في البرازيل وكان أول شاعر في العالم يدون انطباعاته خلال رحلته بأربعة عشر نشيدا من روائع الأثر الخالد وقد ترجمة هذه الملحمة الشعرية الفلسفية إلى 32 لغة عالمية 
وبما اننا نتحدث عن الطائرة نمر على تأثره عندما جاءه خبر مفاده أن طياران وهما العثماني فتحي وصديقه صادق قد وقعت بهم طائرة فرثاهم بقصيدة يقول فيها :

يا من سموت في العلى فبلغته /**/ وسبقت أسراب الطيور طرادا 
فتخذت ثوب السافيات سوابحا /**/ كفنا، وأطباق السحاب وسادا

وإنتقل إلى رحمة الله في 1930 وهو إبن الثلاثين ربيعا في البرازيل 
وقد طبع لفوزي ديوان شعر ناقص تضمن بعض قصائده عام 1957 لكن الجزء الأكبر من روائعه الشعرية وموشحاته الأندلسية و الكثير من أعماله بقيت مخطوطة غير مطبوعة




رحمهم الله جميعا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نرجوا من زوارنا الكرام التعليق ...بدون تجريح او سب ...